ابن أبي الحديد

173

شرح نهج البلاغة

ألسنة ، وأثبت حجة منهم اليوم . فأمسك المعتضد فلم يرد إليه جوابا ، ولم يأمر بعد ذلك في الكتاب بشئ . وكان من جملة الكتاب بعد أن قدم حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله : أما بعد ، فقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعة العامة من شبهة قد دخلتهم في أديانهم ، وفساد قد لحقهم في معتقدهم ، وعصبية قد غلبت عليها أهواؤهم ، ونطقت بها ألسنتهم ، على غير معرفة ولا روية ، قد قلدوا فيها قادة الضلالة بلا بينة ولا بصيرة ، وخالفوا السنن المتبعة ، إلى الأهواء المبتدعة ، قال الله تعالى : ( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين ( 1 ) ) . خروجا عن الجماعة ، ومسارعة إلى الفتنة ، وإيثارا للفرقة ، وتشتيتا للكلمة ، وإظهارا لموالاة من قطع الله عنه الموالاة ، وبتر منه العصمة ، وأخرجه من الملة ، وأوجب عليه اللعنة ، وتعظيما لمن صغر الله حقه ، وأوهن أمره ، وأضعف ركنه ، من بنى أمية الشجرة الملعونة ، ومخالفة لمن استنقذهم الله به من الهلكة ، وأسبغ عليهم به النعمة من أهل بيت البركة والرحمة ، ( والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) ( 2 ) . فأعظم أمير المؤمنين ما انتهى إليه من ذلك ، ورأي ( 3 ) ترك إنكاره حرجا عليه في الدين ، وفسادا لمن قلده الله أمره من المسلمين ، وإهمالا لما أوجبه الله عليه من تقويم المخالفين ، وتبصير الجاهلين ، وإقامة الحجة على الشاكين ، وبسط اليد على المعاندين ( 4 ) ! وأمير المؤمنين يخبركم معاشر المسلمين أن الله جل ثناؤه لما ابتعث محمدا صلى الله عليه وسلم بدينه ، وأمره أن يصدع بأمره ، بدأ بأهله وعشيرته فدعاهم إلى ربه ، وأنذرهم وبشرهم ،

--> ( 1 ) سورة القصص 50 . ( 2 ) سورة البقرة 105 . ( 3 ) الطبري : " ترك " . ( 4 ) الطبري : " العاندين " .